١٩/٨- ما كنا وما لم نكن.

بتُ أشكو ي الله من تعاسة ناظري ، وتباطئ نبضات قلبي ، لعلي فقدت الرغبة في حُب الأشياء وذِكر الأحلام، لم يسبق أن تملكتني رغبة حادة بالبكاء، اريد أن أبكي بسخط على حياتي وعلى وقتي ، على ما خسرت ..ما كسبت ، وعلى ما لم ألحظ وجوده أصلا.. لم تسألني أمي يوما عن شحوب عيناي..انحناء رأسي المتعب.. يداي المجروحة.أدركت حينها أن الانسان خُلق ليعاني وحده، وأن العائلة والأصدقاء ما هم إلا كلاصقات الجروح ، لن تُذهب ألمك، ولكنها ستمنحك قليلا من الشعور بالطمأنينة ..المزيفة، لن يجففوا بكلامهم مستنقعات الحُزن في قلبك ، ولن تُمطر على غابات قلبك بأحضانهم الدافئة. لعلك أدركت بعد ألمك في ذاتِ شتاء وانت واقف تنتظر الحافلة وحيدا ..أن لا سعادة توازي دموعك المنهمرة من الفرح عندما سمعت لحناً يُشبهك ، لحنا يروي ما مررت به .. ما خضته من الآم.. ما ابتسمت من اجله وضحكت.. وما أسلمت أمره لله ومضيت.

أدركت حينها أن كل من حولك سيذهبون.. بطريقة أو اخرى .. وستجد نفسك حينها وحيدا….مضت عشرُ سنوات .. ولم تتنبه كيف مضت  ابدا ولا حتى كيف شعرت اتجاه نفسك والاشياء حولك ذات يوم… لكنك في يوم عندما كنت في بيتك. تفكر فيما تملكه يداك ..نظرت جانبا فتلاقيت مع نفسك في المرآه خلسة ..ولم تلحظ  ما صرت اليه ..الشيب يغزو شعرك.. ترتدي نظارات محاطة بإطارٍ أسود ،جالسا على كرسي يهتز بانحناء قدميك، وأخذت نظرة ثانيه على ما الصوره بيدك لتدرك أنك في الصوره تقف بجانب أشخاصا لا تذكر من هم مرتديا قميصك الأسود المفضل.. لم تذكر اسماءهم ولا حتى صلتك بهم ولكن بعض زهور قلبك اخذت تتفتح برؤيتهم..تذكرت حينها ولأول مرة ما دار بخاطرك ذات يوم وأنت تنتظر الحافلة لتدرك صحيح ما قلت، وانسالت من عينيك دموع دافئة ..اخذت تجففها بعجب .. خلعت نظارتك جانبا ووضعت الصورة في الصندوق واغلقته..امسكت عصاك وبخطوات هادئة وثابتة اتجهت نحو الكرسي المطل على النافذة … جلست.. وببطىء رفعت رأسك ونظرت إلى السماء .. تملكتك الراحة واخذت عينيك تغلق تدريجا الا أن ساد الظلام في عينيك ، هدأت نبضات قلبك.. واعتدل جسدك وغاب عنك ما حدث .. وذهبت وذهب معك كل شيء..

Advertisements